الأرشيف في
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه
حالة الطقس 
 Beirut, Lebanon
Sat Sun Mon Tue
Sunny Partly Sunny Partly Sunny Sunny
24°C 26°C 19°C 22°C
18°C 21°C 12°C 16°C
خطر الفراغ المثلَّث التواريخ
كتبت الهام سعيد فريحه:
هناك ثلاثة تواريخ إما قاتلة وإما مفيدة بالنسبة إلى اللبنانيين، فهي تكون قاتلة إذا أُسيء استخدامها، وهي تكون مفيدة إذا أُحسن استخدامها.
التواريخ هي:
15 أيار و31 أيار و20 حزيران.
التاريخ الأول، 15 أيار هو عودة مجلس النواب إلى الإجتماع في إطار الدورة العادية بعدما علَّق رئيس الجمهورية هذه الإجتماعات بموجب المادة 59 من الدستور.
الجميع يتهيَّب هذه الجلسة:
دوائر القصر تخشى أن يُطرح اقتراح القانون المعجَّل المكرَّر بالتمديد لمجلس النواب تفادياً للفراغ في المؤسسة التشريعية.
الرئيس بري يجد نفسه ملزماً بطرح الأمر لأنَّه لا يريد أن تصل المؤسسة إلى الفراغ.
وتبقى المفاجآت سيدة الموقف بالنسبة إلى الإثنين 15 أيار، وما يمكن أن يحدث فيه من سيناريوهات:
هل يمكن أن يقاطع نواب الثنائي المسيحي الجلسة في حال طُرح فيها بند التمديد؟
وفي حال بلغ التحدي هذا الأمر، هل من أوراق دستورية يمكن أن يستخدمها رئيس الجمهورية؟

***
التاريخ الثاني هو 31 أيار موعد انتهاء العقد العادي لمجلس النواب. في حال وصلنا إلى هذا التاريخ ولم يتم توقيع مرسوم فتح دورة استثنائية، يكون البلد أمام التلويح بمشكلةٍ دستورية كبيرة، فالتمديد يكون قد سقط نهائياً لأنَّ لا قدرة لمجلس النواب على الإنعقاد بين الإثنين الأول من حزيران والإثنين التاسع عشر من حزيران، عندما يكون مجلس النواب قد أنهى ولايته الثانية الممددة مرتين.
هنا يلوح في الأفق التاريخ الثالث وهو 20 حزيران. في ذلك التاريخ، إذا لم يتم الإتفاق على قانون جديد للإنتخابات، ويوضع بند التمديد من ضمنه، يكون البلد قد سقط في فخِّ الفراغ بكامل وعيه، فهل يمكن أن نصل إلى هذا المأزق؟
منطقياً، الجميع يستبعدون هذه الفرضية، وأياً تكن المعوقات والعراقيل والألغام فإنَّ الفراغ ممنوعٌ عبر عدة أسلحة:
فرئيس الجمهورية يضغط عبر سلاح التوصل إلى قانون جديد للإنتخابات.
ورئيس مجلس النواب يضغط عبر سلاح التلويح بورقة التمديد منعاً للسقوط في الفراغ.
ورئيس الحكومة يسير في أيِّ خيارٍ يُبعد كأس الفراغ.
***
هذا الإستشعار بالخطر ربما حثَّ المعنيين على العودة إلى جلسات مجلس الوزراء، بعد تعطيل الأسبوعين على التوالي، والإحتمال الأقوى أن تُعقد الجلسة الأربعاء من الأسبوع المقبل حيث تجاوز عدد البنود المتراكمة أكثر من 160 بنداً.
صحيحٌ أنَّ البنودَ في معظمها هي بنود عادية أو روتينية وتتعلَّق بنقل اعتمادات أو قبول هبات أو موافقات بالصرف على القاعدة الإثنتي عشرية، لكن ما ينتظره اللبنانيون من بنود مهمة هو بند مشروع قانون الإنتخابات والتمديد لحاكم مصرف لبنان، والبندان باتا محكومين بالظروف الضاغطة، فهل يصلا إلى طاولة مجلس الوزراء؟
 
 
مرة
204195
قرأ هذا المقال
 
 
elham.freiha@dar-assayad.com   
www.elhamfreiha.com   
facebook.com/elhamfreiha  
twitter.com/elhamfreiha   
 
 
 
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه   
جعبة سعيد فريحه

سِتّي ظريفة
لا ادري ماذا دهى ذاكرتي!
فقد يصادف احياناً ان انسى اني رجل متزوج، فاسهر مع النساء الى مطلع الفجر!
وقد انسى اني مصاب بانتفاخ الكبد والامعاء، فاشرب الكوكاكولا وكأني اتعمّد الانتحار!
بل قد انسى ان العهد تبدل في لبنان... فاكتب وكأن شيئاً من مساوىء العهد الماضي ولهوه لم يتبدل على الاطلاق!
وهكذا اصبحت ذاكرتي تخونني باستمرار... بالنسبة الى الحاضر فقط!
اما بالنسبة الى الماضي فاني اذكر كل شيء، حتى اتفه الحوادث واجدرها بالنسيان!
وقد يكون السبب ان الانسان، عندما يتقدم في السن، يذعر من النهاية، فاذ به يعود الى الماضي ليعيش فيه ويتوغل في ذكرياته البعيدة، ثم لا يلبث ان ينسى، شيئاً فشيئاً، حاضره ويتناسى مستقبله ويصبح - وقاك الله - طفلاً كبيراً ليس بينه وبين الخرف سوى فركة كعب...
ولا اعتقد اني خرفت او بدأت اصاب بالخرف...
ولكن مما لا شك فيه اني اصبحت احنّ الى الماضي والى ذكرياته التافهة، ومثال ذلك اني كلما مررت بشجرة تين تذكرت التينة التي كانت بالقرب من منزلنا، وكيف كنت اتسلقها كل مساء واختبىء في اعلاها لأختلس النظر الى ابنة الجيران، وهي تبدل ثيابها وتستعد للنوم.

وحدث مرة ان طال اختبائي في اعلى الشجرة كما طال انتظاري لابنة الجيران، فاذا بجدتي، او بستى ظريفة - رحمها الله - تقلق لغيابي وتنطلق باحثة عني في الحي، ثم يتعالى صياحها: يا دليّ ضاع الصبي... دخيلكم مين شاف لي الصبي؟!
واحتشد الجيران في كل مكان وراح بعضهم ينادي في الشوارع والأحياء: يا هوه... يا اولاد الحلال، يا من شاف لنا صبي اشقر، عيونو زرق، ماشي حافي، عمره عشر سنين، اسمه سعيد، والحلوان ريال مجيدي!!
وكان الخوف من غضب جدتي قد جمّدني في مكاني، فمكثت لا اتحرك ولا ادري ماذا افعل.
وفجأة شعرت بالجوع، فاخذت ابحث في الظلام عن التينات الباقية لأقطفها واسد بها جوعي. وبينما انا افعل زلّت قدمي، فزعقت وسقطت!
ومن سوء حظ الحكومة الحاضرة ان سقطتي جاءت سليمة فلم افك رقبتي... ولم أصحُ من اغمائي الا على صياح اهلي وضربات ستي ظريفة...
كانت لها طريقتها الخاصة في تأديبي، فتهجم عليّ كلما اقترفت ذنباً، وتنهال على رأسي ووجهي وسائر انحاء جسمي بالضرب الشديد حتى اتلاشى...
وعندئذ تندم وتجهش في البكاء ثم تبادر الى استرضائي فتجلسني في حضنها وتغمرني بقبلاتها... وفجأة تثب مذعورة صائحة: جويتني يا رذيل... يلعن ابو الاولاد وابو اللي بيخلّفوهم!
وحدث، بعد نشوب الحرب العالمية الأولى، ان انتقلنا من العاصمة الى حمى الجبل، اي الى برج حمود فأخذت انا امارس اعمال الشقاوة هناك، وابحث باستمرار عن شجرة تين اختبىء فيها فلا اجد، واذا وجدت فبعيداً عن نوافذ بنات الجيران...
وتراكض سكان برج حمود في احد الأيام، ليشاهدوا اول سيارة تكرج على الأرض. وكان يملكها، على ما اذكر، احد ابناء السراسقة ويقودها رجل ايطالي اسمه اتيليو.
وذهبت السيارة في نزهتها القصيرة الى موقع جسر الباشا، وعند عودتها تصدّيت لها وقذفتها بحجر حطم زجاجها الامامي وقضي - منذ ذلك الحين - على كل علاقة طيبة وعاطفة متبادلة بين الاسرة الكريمة واولاد الفقراء.
واسرع السائق والركاب يطاردون المعتدي، فأدركني الأول ونسفني كفاً لا يزال طعمه تحت اضراسي حتى اليوم!
ولم يكتفِ الظالم بما فعل، بل هدّد بابلاغ الجندرمة. وكان هذا كافياً لان تشيلني ستي ظريفة من برج حمود وتحطني في رأس المتن.
وقضيت هناك اياماً لم انقطع خلالها عن اعمال الشقاوة وعن تلقي الضربات التي تنتهي بالقبلات ثم بلعنة ابو اللي بيخلّفوهم!
وفي احد الايام شاهد العم اسعد جدتي وهي تضربني فقال:
- حرام عليك يا ظريفة! راح تقتلي الصبي!
قالت:
- بدي اقتله واخلص منه يا بيتربّى...
قال:
- بس مش هيك بيكون المربى!
- تفضل خذه وربّيه...
واخذني عمي اسعد، ليربيني، فاذا بي اغافله ذات يوم واتسلق السلم الى السطح التي وضعت الاحجار الكبيرة على اطرافه، فاعتليت احدها واخذت اهز وارهز مقلداً كبار الفرسان، فاذا بالحجر يقع واقع انا معه، ونستقر نحن الاثنين فوق العم المسكين...
وجاء الطبيب يجبر كسراً في ساق الصبي وكسرين في كتف العم المربي...
ولما شفيت، ذهبت الى ساحة القرية وتراشقت مع فتيان آل مكارم بالحجارة، فأصبت رأس احدهم وتفجر الدم منه، فما كان من ستي ظريفة الا ان عمدت الى الفرار بي من القرية، خوفاً على رأسي من ان يصبح هدف ألف حجر وحجر...
وتسللنا عند الفجر متغلغلين في الاحراج الكثيفة الخالية الا من الأفاعي والقنافذ والذئاب، ومع ذلك فقد كانت ستي ظريفة، تلك اللبنانية الشجاعة التي جاوزت الستين من العمر تمضي بحفيدها الشقي غير آبهة، وغير عابئة بوعورة الطريق ووحشية المكان، كأنها من طينة تختلف عن طينة نساء اليوم!
وبقينا طوال النهار نجد في السير، او الهرب، منحدرين من حرج الى آخر حتى انتهينا الى حرج الدكوانة، فهرعت الى اول منزل طالباً الماء لاطفىء ظمئي الشديد...
وما ان تناولت الابريق حتى رفعت ستي ظريفة عصاها وهوت بها على وعاء الماء فحطمته، ثم على ساقي فاوشكت ان تحطمها من جديد!
وكانت حجتها اني تعب ومبلل بالعرق، ولا ينبغي ان اشرب قبل ان استريح ويجف عرقي...
ونزلت عند رغبتها، فاسترحت قليلاً ثم شربت... ولما استرديت نشاطي طفقت ابكي، فسألتني:
- ليش عم تبكي؟
قلت:
- بدي ارجع لرأس المتن!
ولأول مرة رأيتها تحجم عن ضربي، ثم تتركني وتمضي في طريق البيت!
وناديتها فلم تجب...
ثم كررت النداء، ولكنها ظلت ساكتة لا تتكلم، وسائرة لا تلتفت!
ولحقت بها الى البيت، وهناك سألتها:
- ما بك؟
قالت:
- لقد عجزت، يا ولدي عن تربيتك، فافعل ما تشاء...
قالتها بلهجة يتجلى فيها اليأس وقد ادركت، فيما بعد، ان يأسها رحمات الله عليها! كان في غير محله وان المئة بدن التي اكلتها منها لم تذهب سدى على ما اظن.
هذه بعض الذكريات البعيدة التي اعيش فيها اليوم... فهل تعتبر يا ترى بداية الخرف؟!
اللهم رحمتك!


10/9/53
عدد اليوم