الأرشيف في
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه
حالة الطقس 
 Beirut, Lebanon
Fri Sat Sun Mon
Clear Clear Clear Clear
18°C 19°C 17°C 17°C
12°C 13°C 9°C 10°C
أبعد من الإنتخابات النيابية
حجمُ الرئيس الحريري هاجس خصومه
كتبت الهام سعيد فريحه:
أبعد من قانون الإنتخابات النيابية، مشكلةُ خصوم الرئيس سعد الحريري أنَّه دائماً لديهم عقدة سياسية من حجمه السياسي، لذا فإنَّهم في كلِّ محطةٍ سياسية يُظهرون العرقلة لتخفيض هذا الحجم قدر ما يستطيعون، ويظهر ذلك من خلال أداءٍ معيّن حياله:
قبل انتخابات الرئاسة قالوا:
إنَّ الإتفاق على وصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا لا يعني بالضرورة وصول الرئيس سعد الحريري إلى السراي الحكومي.
حين وصل العماد عون إلى قصر بعبدا وبدأت تسميةُ الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة، لم يسمّوه في مرحلة استشارات التكليف، بل أوحوا كأنَّهم في المعارضة على رغم أنَّهم عادوا وشاركوا في الحكومة.
حين بِدْءِ وضع البيان الوزاري، حاولوا خلقَ عقدةٍ في الموضوع فأحرجهم الرئيس الحريري بأن أعلن اعتماده خطاب القَسَم كخطوط عريضة لصياغة البيان الوزاري، فأُحرجوا وصدر البيان الوزاري.
اليوم يحاولون قدر المستطاع عرقلة أيِّ مشروع قانونٍ للإنتخابات النيابية، فما إن يُطرَح مشروع قانون حتّى يتم إسقاطه تحت ألف حجةٍ وحجة، وكم من مشروع قانون كان يصل إلى 99 في المئة من خواتيمه حتى يُعاد النقاش فيه إلى النقطة الصفر، وكأنَّ هناك قطبةً مخفية، وهي عملياً لم تعد مخفية، من أجل عرقلة القانون الجديد إلا وفق ما يريده هؤلاء الخصوم.

***
خصومُ الرئيس الحريري يجاهرون بأنَّهم يريدون قانون انتخاباتٍ على قاعدة النسبية الكاملة، وهُم يعرفون أنَّ معظم القوى الرئيسية في البلد تعارض النسبية الشاملة، التي لا يمكن تطبيقها إلا في بلدٍ تسيطر فيه الدولة على كلِّ أراضيها سيطرةً كاملة، ولا قوة أخرى تشاركها في هذه السيطرة.
الرئيس الحريري يردُّ على النسبية الكاملة بالقانون المختلط الذي يجمع بين الأكثري والنسبي، وهذه الصيغة كان اقترب المعنيون من التوصُّل إلى إتفاقٍ حولها، ويذكر الجميع أنَّ أحد الأقطاب كان زفَّ إلى الرأي العام قرب التوصُّل في اللجنة الرباعية إلى اتفاقٍ على القانون المختلط وكان هناك بعض الرتوش عليه، ففوجئ الجميع بموقف خصوم الرئيس الحريري برفض القانون المختلط والجهر مباشرة ومن دون التباس بالنسبية الكاملة، على أساس أن يكون لبنان دائرةً انتخابيةً واحدة.
***
الرئيس سعد الحريري يُدرك هذه الحقائق ولا سيَّما منها حقيقة أنَّ المطلوب تحجيمه، سواء بمحاولات الفيتو عند تشكيل الحكومة أو من خلال قانون انتخابات يُسهِّل تمرير خصومه في صناديق الإقتراع.
خصومه يعرفون أنَّ ليس بالإمكان هزيمته في صناديق الإقتراع، لأنَّه زعيم التيار الوحيد العابر للطوائف والمناطق، أما الآخرون فليس لهم حضورٌ خارج طوائفهم، وهذه هي مشكلتهم الحقيقية معه.
لهذه الأسباب فإنَّهم يحاولون أن يعوِّضوا في القانون ما لا يستطيعون أخذه من الطوائف الأخرى أو من صناديق الإقتراع، فيما الرئيس الحريري لا مشكلة عنده لا مع الطوائف الأخرى ولا مع صناديق الإقتراع.
 
 
مرة
185292
قرأ هذا المقال
 
 
elham.freiha@dar-assayad.com   
www.elhamfreiha.com   
facebook.com/elhamfreiha  
twitter.com/elhamfreiha   
 
 
 
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه   
كتب سعيد فريحه

وِلاَدةٌ في بِئر!...
في شمال سورية، وعلى رمية حجر من حدود الاتراك، تقوم بلدة صغيرة اسمها جرابلس.
وجرابلس هذه ليست نكرة او شيئاً تافهاً في التاريخ، فقد كانت فيما مضى عاصمة الحثيين، ثم صارت في مطلع الحرب الكونية الاولى مقراً للداهية لورنس، وبعد فترة من الزمن جاءها كاتب هذه السطور زائراً... ومعنى ذلك انها ضمت المجد من طرفيه، فكان لها فخر الماضي وعز الحاضر، واي حاضر!
القصد اني زرت جرابلس سنة 1931 وفي نيتي ان ابيت فيها ليلة واحدة ثم استأنف رحلتي الى الجزيرة الشامية لاحضر عرس زعيم كردي خطير الشأن... ولكن حدث ما جعلني اقرر تعديل برنامج الرحلة، وافكر في صرف النظر عن مائة عرس وزعيم... فقد تعرفت، اثر نزولي في فندق البلدة، الى ضباط اتراك يجتازون الحدود ساعة يشاؤون، ويأتون الى الفندق لكي يسهروا ويسمروا ويلعبوا البوكر... كما تعرفت الى امرأة حسناء تحب الضيوف، وتستخف دم الشبان منهم، وكان بعد ذلك ان امتدت الاقامة من ليلة الى عشر ليال كنت خلالها ضيف الشرف على ذات الصون والعفاف!...
وفي الليلة الاخيرة صحوت على صوت مهماز ضابط تركي، وعلى سيل من الشتائم التي تبدأ ب ادبسيس وتنتهي ب هيدي سكتر وقد سكترت حالاً... اي غادرت المكان لاستقل سيارة متواضعة الى شاطىء الفرات، وهناك جيء بعوّامة حملت السيارة ومن فيها الى الضفة المقابلة، وبعد لحظات كنت في طريقي الى قلب الجزيرة لادرك ما يمكن ادراكه من بقايا العرس والمهرجان!
وفي الساعة العاشرة ليلاً وصلت الى قرية تدعى عرب بونار معظم سكانها من الارمن، فأصر السائق على المبيت فيها، ثم تركني وانصرف، وبقيت انا ابحث في الظلام عن فندق، عن مقهى، عن انسان استنجد بمروءته، فلم اعثر الا على كلاب شرسة تهاجمني من كل حدب وصوب، وهي ترسل نباحاً مخيفاً يدل على سوء حظي وحظ كل غريب يهبط هذه القرية اللعينة!

واخيراً أقبل حارس القرية... وعندما اقول حارس القرية اعني عملاقاً رهيباً يحمل بندقية وساطوراً وشيئاً يقف عليه النسر... ولو ان حضرته اقبل في النهار، وبصورة لطيفة، لهان الامر، ولكن مجيئه، او ظهوره امامي كان في الظلام الدامس... وكان بصورة لا ينجو من هولها الا كل طويل العمر... لقد صوب بندقيته الى صدري وهو يصيح بصوت كأنه زعيق الابالسة: دور ولان...
وفهمت انه يأمرني بالوقوف فأمتثلت ثم سألني: كيمبو؟ فقلت: ارقداش جانم ارقداش... اي انا صديق، وبعد اللتيا والتي تفاهمنا، ولما طلبت منه مكاناً للمبيت قادني الى الضاحية، ودلني على منزل منفرد عُلق على بابه مصباح احمر وقال: باشكايوك... اي لا يوجد سواه!



وفي صباح اليوم التالي استأنفت الرحلة الى حيث اقيم مهرجان العرس، ونُصبت مئات المضارب، والخيام، ونُحرت الوف النعاج، وعُقدت حلقات الرقص، ودوت اصوات الطبول: فالجميع في نشوة، والجميع يتساءلون: مّن هذا الامرد القادم الينا؟! فيهمس احدهم: انه ترجمان المستشار... ويقول ثان: انه من اب عربي وام قوقازية... ويجيب ثالث: من يدري؟ فقد يكون من خصيان الترك!!
غير ان القوم ما لبثوا ان حذوا حذو زعيمهم في تكريم الضيف، وقد انحصرت هذه اللياقة في الرجال... اي ان الصبايا الفاتنات الغارقات في خلاخل الذهب وعقود الفضة لم يظهرن نحو الداعي أي اهتمام... وعبثاً حاولت ان اسرق نظرة من هنا، او ابتسامة من هناك... فالمرأة الكردية لا تغازل الا ابناء قومها، وقد يستغرب البعض اذا قلت ان هناك داشرات من جميع الامم والشعوب، اما نساء الاكراد فليس بينهن داشرة واحدة!
وقفلت في النهاية عائداً من حيث اتيت، ولكني ما كدت اتوسط الصحراء حتى شعرت بظمأ شديد فقال السائق: لا تجزع، فستمرّ بعد قليل ببئر ماء...
وصدق الرجل، فقد شاهدت بعد مسير مسافة قصيرة امرأة بدوية جالسة على حافة بئر تستقي منها ثلاث قرى مجاورة... ولما افهمت البدوية اني في ظمأ شديد قالت: ولكن الدلو سقط في البئر منذ لحظة... فعليك ان تساعدني على اخراجه.
وربطت المرأة الشجاعة وسطها بطرف الحبل واخذت تنحدر الى قعر البئر بينما كنت انا ممسكاً بالطرف الآخر... وعند بلوغها النهاية خيل الي اني اسمع شيئاً يشبه الحشرجة والانين... فأخذت اناديها، واكرر النداء، واخيراً سمعتها تطلب ان اشد بالحبل ففعلت، وبعد لحظات اطلت البدوية، واطل الدلو وفيه طفلان!!
لقد ولدت الشقّية توأمين وهي في قعر البئر، ثم صعدت بهما وكأنها عائدة من نزهة... بل كأنها تتحدى نساء المدن جميعاً بهذه الظاهرة الغريبة التي ادهشتني وجعلتني افضل الموت ظمأ على شرب جرعة واحدة من مياه هذه البئر بعد تلك الولادة!!

7/3/46
عدد اليوم