الأرشيف في
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه
حالة الطقس 
 Beirut, Lebanon
Mon Tue Wed Thur
Rainy Rainy Rainy Sunny
16°C 18°C 14°C 26°C
13°C 13°C 13°C 19°C
همٌّ قديم جديد
المياه والتلوث
كتبت الهام سعيد فريحه :

لكثرة انشغالات اللبنانيين بكافة أنواع التطورات، لم يتنبَّه كثيرون منهم إلى اليوم العالمي للمياه، الذي مرَّ يوم الأربعاء الفائت الواقع في 22 آذار، وهذا اليوم تحتفل به الأمم المتحدة كل سنة، وكان البدء بالإحتفال به تمَّ خلال مؤتمر البيئة والتنمية الذي عُقد في البرازيل منذ ربع قرن.


الغاية من هذا اليوم هو نشر الوعي في العالم حول أهمية المياه، بعدما بدأت الدول المتقدمة والصناعية ترتاب من الإستخدامات السيئة للمياه، ومن شأن الإستمرار بهذا الإستخدام السيئ، التسبب بإحداث أوبئة عالمية تصعب السيطرة عليها، وقد ازدادت هذه المخاوف بعد صدور أرقام ومعطيات مخيفة، ومن أبرزها:
80 في المئة من المياه المستخدمة تعود إلى البيئة وإلى الطبيعة من دون معالجة، فالإنسان يستخدم المياه ثم يردّها وسخة إلى البيئة والطبيعة.
مليار ونصف مليار إنسان يحصلون على مياه الشرب من مصادر ملوثة، إما بفضلات الطعام وإما من المياه الآسنة.
وهذه الأرقام تؤشر إلى أنَّ نسبة الوفيات من الإسهال المعدي الحاد سببها المياه غير النظيفة وغير الصحية.


معطيات وأرقام نضعها بتصرف وزير البيئة طارق الخطيب للأسباب التالية:
إقترب موسم البحر، فهل بحرنا نظيف؟
ماذا عن نفايات الكوستابرافا التي بدأت تتحلل وتذهب عصاراتها إلى المياه؟
ماذا عن نفايات مكب برج حمود التي خَفُتَ الحديث عنها ولم يعد هناك كلام حيالها، مع أنَّ الروائح المنبعثة منها تخنق الأنفاس، وعصاراتها تذهب إلى البحر؟




ماذا عن مكب ومصب نهر الغدير الذي يحمل من النفايات والمجارير أكثر مما يحمل من المياه؟
ماذا عن المرامل والمقالع والكسارات التي تذهب ترسباتها إلى مياه الينابيع والآبار؟
ماذا عن تمديدات المياه الصدئة التي باتت بحاجة إلى تغيير أو على الأقل صيانة؟


معالي الوزير، من أين يشرب المواطن؟
وأين يسبح؟
وبماذا نعِد السائح والمغترب إذا أتيا هذا الصيف؟
نقول هذا الكلام مع علمنا الأكيد أنَّ الملف أكبر من طاقة وزير البيئة الآتي من عالم الحقوق وليس من عالم البيئة، لكنَّه من منطقة عانت الأمرَّين من جراء مطمر الناعمة والملوِّثات في منطقة ساحل الشوف، فهل سيرفع الصوت للإعلان عن حالة طوارئ بيئية؟
أم أنَّ المسألة ستتوقف عند هذا الحد من ترك المجتمع الأهلي يصرخ؟
كل ما نعرفه، إنطلاقاً من سوابق بيئية أنَّ الخطر البيئي داهِم وآتٍ، فهناك شبه استعصاء عن معالجة الملفات البيئية للبنانيين، فكيف لملفات أكثر من مليونَي نازح سوري أن تتم معالجتها؟


مرَّ يوم المياه العالمي مرور غير الكرام في لبنان، فلا مياه إلا في الصهاريج، وإذا وُجِدَت خارجها فإنّها غير مطابقة.


 
 
مرة
210515
قرأ هذا المقال
 
 
elham.freiha@dar-assayad.com   
www.elhamfreiha.com   
facebook.com/elhamfreiha  
twitter.com/elhamfreiha   
 
 
 
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه   
كتب سعيد فريحه

اليَدُ الشَافيَةُ

كانت جميلة، وأنا احب الجمال.
وكانت أنيقة، وأنا أحب النساء الأنيقات...
وكانت ذات كبرياء وعنفوان، وانا احب المرأة الحسناء التي تشمخ بأنفها وتعرف قيمة نفسها...
وكانت جارتي، والله جلَّ جلاله أوصى بالجار، فكيف بالجارة؟
اذاً، فلم يكن هناك أي سبب يحول دون اعجابي بابنة الجيران، بل كانت: هذه الأسباب كلها تدعوني الى حبها والهيام بها.
ولكن الفتاة كانت ذات كبرياء وعنفوان كما قالت... ولذلك مرت السنة الأولى على مجاورتي لها والعلاقة بيننا مقتصرة على كلمة: بونجور، او بونسوار.
وفي السنة الثانية تطورت الأمور وتعرّبت الكلمات، فصارت تقول: عوافي، وتشفع هذه التحية الوطنية بابتسامة هي العافية نفسها.
وكانت نافذة الغرفة التي اسكنها ملاصقة نافذة غرفة جارتي الحسناء، فأخذت أقف وأطيل الوقوف على النافذة حتى تطل معذبتي وتقول: عوافي، فاردّ مليون عوافي.
وعبثاً حاولت ان افتح حديثاً، فأخطو خطوة واحدة الى الامام...
كانت تكتفي بالتحية والابتسامة، وتبادر الى الاختفاء بسرعة كأنها قبس الرجاء او الشهاب الذي يسطع في السماء.




وصبرت صبر العاشق الكريم الذي لا يمل الصبر.
وقرأت على النافذة جميع روايات روكامبول وأرسين لوبين. وأصيب حلقي مراراً بالالتهاب من كثرة النحنحة والكحكحة والسعال المقصود.
وأخيراً أُصبت بضربة شمس، فلزمت الفراش، ثم جاء الطبيب يسألني: أين كنت؟ وكيف ضربتك الشمس؟.
فأشرت الى النافذة وقلت: كنت اقف هناك...
ولم يصدق. لأنه لم يكن يعرف اني عاشق وان لي جارة حسناء لا استطيع ان اظفر بتحيتها الوطنية وابتسامتها العذبة الا اذا وقفت على النافذة بضع ساعات متوالية.
واعطاني الطبيب دواء وقال: ستهبط الحرارة بفضل هذا الدواء.
ولكن الحرارة لم تهبط، بل استمرت في الصعود وكأنها افعى ذات جناحين. وحار الطبيب في امري وأمر حرارتي، وسمعته يتساءل: ترى لماذا لم تهبط الحرارة؟ هل أخطأت في تشخيص المرض، ام ماذا؟.
الواقع ان الطبيب لم يخطىء بل انا الذي اخطأت... فقد كنت، كلما وجدت نفسي وحيداً في الغرفة، اترك الفراش واذهب الى النافذة.
وليس ذلك فقط، بل كنت أحاول ان اشعر الجارة الحسناء بوجودي فأتنحنح وأكح وأدندن احياناً بموال: طلت من الشباك بيّن لي جبيناً.
ومن هنا ساءت حالتي وتصاعدت حرارتي واصبحت اضع رجلاً في القبر ورجلاً في النافذة. وكانت تقوم على خدمتي والعناية بي سيدة جليلة هي صاحبة البيت ومؤجرة الغرفة ذات النافذة التي جرت كل هذا البلاء...
وسمعتني ذات يوم أهذي وأترشق باسم الجارة الحسناء، فأدركت كل شيء وذهبت تقول لها سراً: ان روح المسكين في يدك... وأثمر السعي، فجاءت حبيبة القلب لزيارة المريض اليه تعالى بعدما تركت كبرياءها وعنفوانها على نافذة غرفتها.
وعند دخولها لم أتبينها جيداً، فقد كنت في شبه غيبوبة، فضلاً عن اني كنت اتوقع في تلك اللحظة دخول عزرائيل لا دخول هذا الملاك الرحيم. وسمعت صوتها الذي يشبه رنة الغيتار يقول: عوافي! وكأن سلكاً كهربائياً مسني فانتفضت، ثم تطلعت، فاذا بي امام جارتي، بل معذبتي، تقف الى جانب السرير وقد شاعت على فمها ابتسامة كئيبة، وتجلى في نظراتها شعور القلق والحنان، فلم ألبث ان اغمضت عيني لأخفي ما ترقرق فيهما من دموع.
ورن الغيتار من جديد، فاذا بها تقول ملاطفة: أغنج يا فلان؟، قالت هذه العبارة ثم مدت يدها ولمست جبيني... ولم اكن احتاج الى غير ذلك، فقد هبطت الحرارة في الحال، ووجدت نفسي بعد ساعات قليلة اقف على الشباك.
واعتبر الطبيب ما حدث ظاهرة عجيبة. اما أنا فقد اعتبرته امراً طبيعياً ومعقولاً لأن الحب في نظري يفعل في الاجسام فعل السحر، فهو قادر على ان يدمرها وان يبعث فيها الحياة بمجرد لمسة من ابنة الجيران.
ومرت السنون، ونسيت الجارة والنافذة، والحب العنيف، بل نسيت القصيدة الوحيدة التي كنت نظمتها في حياتي وقلت في مطلعها:

أتَتْ وأَنَا أقاسي دَوْرَ حُمَّىوألوت وَهي واجفةٌ عَلَيَّ
وقالت لي: أغنج أمْ دلال؟فَقُلْتُ: هوى أثار النار فيَّ...

وهو شعر سخيف كما ترى وجدير بالنسيان.
وكانت جارتي العزيزة قد تزوجت ولم اعد ارى لها وجهاً، الى أن كنت ذات يوم - اي بعد ثلاثة عشر عاماً - في حديقة صوفر وسمعت صوتاً وكأنه قعقعة البط يقول: بونجور، والتفت، فاذا بي ارى سيدة مترهلة الجسم بارزة الأرداف، ومن حولها عدة أطفال، تنظر اليَّ وتبتسم.
لم اعرفها في بدء الأمر، وليتها لم تعرفني بنفسها... لأنِّي اصبحت كلما نظرت اليوم الى فتاة جميلة رشيقة فاتنة اتخيلها تحولت، بعد ثلاثة عشر عاماً، الى سيدة سمينة مترهلة لا تشفي المرضى، بل قد يمرض لرؤيتها الأصحاء...



عدد اليوم