الأرشيف في
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه
حالة الطقس 
 Beirut, Lebanon
أسابيع البَرَكَةْ تكاد أن تنتهي
فماذا عن الأسابيع العُجاف الآتية؟

كتبت الهام سعيد فريحه :

وكأنَّ تشكيل الحكومة يحتاج إلى جرعة عراقيل جديدة، حتى جاء شرط إعادة العلاقات مع سوريا ليلقي بثقله على ملف عملية التشكيل.
الرئيس المكلَّف سعد الحريري قالها بالفم الملآن:
إذا كانوا يريدون تطبيعاً مع النظام السوري فليفتِّشوا عن رئيس حكومة غيري.
جاءه الرد:
لا تتسرَّع. وجاء ردٌ آخر: أنت رئيس مكلَّف ولست حاكم لبنان.
وجاءته جرعة دعم من الحزب التقدمي الإشتراكي الذي قال عبر مصادر له:
طريق السراي لا يمكن أن يمرَّ من دمشق، وحتماً زمن الوصاية السورية وتشكيل الحكومات في عنجر قد إنتهى إلى غير رجعة.
في المقابل، دعاة إعادة العلاقات مع سوريا يواجهون المعترضين بالمنطق التالي:
كيف تريدون إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم من دون الحديث مع النظام السوري؟
كيف سيتم نقل المنتوجات الزراعية والصناعية والترانزيت عبر سوريا من دون الحديث مع النظام السوري؟
كيف سيشارك رجال الأعمال والمستثمرون اللبنانيون في إعادة إعمار سوريا من دون عقد اتفاقات مع إدارات ووزارات سورية؟
كيف يتمُّ استجرار كهرباء من سوريا من دون الحديث مع الوزير المختص في سوريا؟





وغيرها وغيرها من الأسئلة في معرض الدفاع عن إعادة العلاقات مع النظام السوري.
لكنَّ الردَّ سرعان ما يأتي وفق المنطق التالي:
العلاقة مع سوريا تتمُّ عبر الأمم المتحدة التي ترعى شؤون اللاجئين، وعبر روسيا التي أطلقت مبادرة لإعادة النازحين، وجاء وفد رئاسي منها إلى الدول المعنية بشؤون النازحين أي الأردن ولبنان وتركيا.
كما أنَّ إعادة الإعمار ستتمُّ وفق موافقات دولية، أميركية وروسية تحديداً، فكفى تهويلاً بشرط العلاقة مع سوريا لتسهيل تشكيل الحكومة.


لكن بين هذين المنطقين، أين يقف المواطن العادي؟
إنَّ السجالات حول نقاط معينة، والتقاذف بالملفات يمكن أن يستمر إلى ما شاء الله، ولكن ماذا بعد؟
هذا المواطن الذي يتمنى أن يطول شهر آب، قدر المستطاع، لئلا يتورط في شهر أيلول، شهر المدفوعات والإستحقاقات المالية. يتمنى المواطن أن يطول شهر آب لأنه يجد فيه حركة سياحية بامتياز وانتعاشاً إقتصادياً لا بأس به، فالطرقات مزدحمة والمطاعم ممتلئة والمسابح مكتظة وأماكن السهر في الجبال والسواحل تبقى حتى ساعات الفجر الأولى... كل هذا دليل عافية، لكنه ينتهي بعد أسبوعين على أبعد تقدير، فماذا يفعل المواطنون بعد ذلك؟
ماذا سيقول لهم المسؤولون؟
هل سيقولون لهم إننا ما زلنا نفتِّش عن المنطق لنواجه بعضنا بعض في ملفات تشكيل الحكومة؟


إن أسابيع البَرَكَةْ تكاد أن تنتهي، ولكن ماذا عن الأسابيع العُجاف التي ستلي؟

 
 
مرة
75349
قرأ هذا المقال
 
 
elham.freiha@dar-assayad.com   
www.elhamfreiha.com   
facebook.com/elhamfreiha  
twitter.com/elhamfreiha   
 
 
 
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه   
كتب سعيد فريحه

المُطربُ سعيد أفندِي

جلست ذات يوم على شرفة فندق بالاس في حلب أدندن مردداً بعض اغاني المرحوم الشيخ سيد درويش ومنها دور: أنا هويت وانتهيت...
وسمعني رجل اسمه توفيق عسال فاقترب مني سائلاً: حضرتك من بيروت؟
قلت: نعم.
قال: يظهر ان صوتك حلو!
قلت: عيب على الانسان ان يشكر نفسه...
وهنا تدخل صديق لي مولع بالمقالب وقال للسيد عسال:
- الحق يقال، اني سمعت أصواتاً كثيرة في حياتي ولكن عمري ما سمعت صوتاً اجمل وأعذب واحلى من صوت سعيد أفندي...
وصدّق الرجل هذا النفاق، فانتحى بصديقي جانباً وقال له:
- أنا في عرضك... طبّقه يغني عندي في البيت.
فقال صديقي الخبيث: اعوذ بالله... هذا شاب عنده عزة نفس، ولا يمكن ان يغني الا اذا كان وحده او مع بعض اصدقائه الخلص...




واقسم السيد عسال على ان يقيم في داره حفلة لا يحضرها الا نفر قليل جداً... فوعده صديقي بالسعي لاقناعي، على شرط ان تظل المسألة مكتومة، لأنه اذا عُرف أني غنيت قامت الدنيا وقعدت... وانهالت الدعوات عليّ من كل حدب وصوب...
ومضت ايام نسيت خلالها هذا الحادث التافه، ولم يدر في خلدي قط ان صديقي اللعين مضى في تدبير المقلب الى النهاية، فأتفق مع السيد عسَّال على موعد الحفلة التي لم تكن مكتومة على الاطلاق، بدليل ان صاحبها قرع الطبل ونفخ في المزمار، فامتلأت داره في محلة النيال بالمدعوين والمدعوات، كما امتلأت النوافذ والشرفات والطرقات المجاورة بجميع سكان الحي الذين علموا ان هناك حفلة سيغني فيها مطرب عظيم من لبنان اسمه سعيد أفندي... ولما كان الحلبيُّون يحبون الطرب والأصوات الجميلة فقد زحفت الجماهير لتسمع صوتاً قيل في وصفه انه من أعذب الأصوات وأحلاها... وجاء صديقي يقول لي: هيا بنا...
قلت: الى اين؟.
قال: الى بيت توفيق عسال، لقد هيأ لنا عشاء فاخراً...
- ولكن ما هي المناسبة؟ كلا، لن اذهب...
فانتفض صديقي وقال مؤنباً: لا تنسَ انك غريب، وعلى الغريب ان يكون أديباً، فلا يرفض دعوة رجل طيب القلب مثل السيد عسال...
ومضيت مع صديقي الى محلة النيال، وما ان نزلنا من العربة حتى اشرأبت الأعناق، وبدأ الهمس والغمز... وسمعت عذراء تقول لرفيقتها: أبوس عينه... أبوس روحه... صوته حلو... وهو كمان حلو.
وفي تلك اللحظة كان صاحب الدعوة وسائر من في البيت قد هرولوا يرحبون بي على الطريقة الحلبية: السلامات، يا مية السلامة بسعيد افندي. ثم ارتفع صوت صاحبة الدار بزلغوطة وبزغردة... وكان بعد ذلك ان اجلسوني في صدر المائدة، وهات يا تكريم وتعظيم! بل هات يا غمزات وابتسامات وحفاوة بالغة!...
فاللقمة الطيبة لسعيد افندي! ولا اسم يذكر الا اسم سعيد أفندي! وكل ذلك لأن سعيد أفندي ذو صوت جميل!... ولا اكتم اني وددت في تلك الاثناء لو ان الله خلقني على صورة القرد ولم يحرمني حلاوة الصوت...
وفي غمرة التكريم والتعظيم همست في اذن صديقي الذي دبَّر لي ولصاحب البيت ولهؤلاء الناس جميعاً هذا المقلب: شو الطريقة؟.
قال: لا تُبالِ: اشرب، واسكر، وتمتَّع... ثم يفرجها ربك...
ومرت ساعة وساعتان وأنا اشرب وأسكر واتمتع بسحر النظرات، وعذب الابتسامات... ثم رأيت صاحب الدعوة ينحني على اذن صديقي ويقول له: طيب وبعدين؟.
فيجيبه الخبيث: سيغني عندما يجي كيفو...
وعاد بعد نصف ساعة يسأله: ما إجا كيفو؟.
فرفع صديقي حاجبيه وعضَّ على شفته السفلى... ومعنى ذلك: لأ، اسكت...
وسكت الرجل، وبدأ المدعوون والساهرون على الطرقات والشرفات، يتذمَّرون...
وأخيراً رأيت ان أضع حداً لهذه المهزلة فدخلت مع صاحب الدار الى احدى الغرف وقلت له: آسف ان اخبرك ان صوتي غير جميل...
فضحك السيد عسال وقال: بلا خلط...
وعبثاً حاولت اقناعه بأن صوتي من انكر الأصوات، وان الدندنة بأغاني المرحوم الشيخ سيد درويش ليست دليلاً على جمال الصوت، ففي امكان اي انسان ان يدندن اغاني سيد درويش بشكل مقبول.
ولما يئست من اقناعه قررت ان اثبت صدق كلامي بالدليل القاطع... فعدت الى المائدة وتناولت العود فدوَّى المكان بالتصفيق... ثم ساد الصمت والسكون وهدأت الأنفاس، فما كان من الداعي الا ان تنحنح، وكحكح، وسعل سعلتين... ثم زعق زعقة مطلعها: يا ليل يا عين.
وكأن قنبلة من القنابل الذرية سقطت في تلك اللحظة فأزالت معالم الفرح، وسحر الابتسامات والغمزات... وعلت الوجوه كآبة ممزوجة بالدهشة والاستنكار وخيبة الأمل... فأخذ القوم يتبادلون النظرات وهم بين مصدق ومكذب، وساخر ومشمئزِّ...
وفجأة انفجر الجميع ضاحكين لأن شر البلية أحياناً ما يضحك.
اما صاحب الدعوة فقد نظر اليّ بعينين يشع منهما بريق الألم والغضب وقال: ممون. الله لا يحرمك هالصوت...



عدد اليوم